كل المقالات

التكنولوجيا · العمل · حُسن التقدير

اهدأ. ستبقى ذا قيمة.

ستتغيّر الأدوات. وسيزداد أهميةً فهمك للمشكلة وحكمك على الخطوة التالية.

آلة حاسبة بيانية فوق ملاحظات مكتوبة بخط اليد في التفاضل والتكامل، وشبكة ضوء خافتة تمتد على المكتب
لطالما غيّرت الأدوات القوية طبيعة العمل. لكن الفهم هو ما يحدد معناه.

عندما كنت في الجامعة، كانت لدينا الآلة الحاسبة Nspire من Texas Instruments. نحو عام ٢٠١٣، كان سعرها يقارب ٢٣٠ دولاراً، وهو مبلغ مرتفع لآلة حاسبة. يومها بدت من أقوى الأدوات التي يمكن لطالب امتلاكها.

الآلة الحاسبة التي أرادها الجميع

كانت تحل المعادلات المعقدة، وترسم الدوال، وتحسب المشتقات، وترسم المماسات، وتتعامل مع المتغيرات، وتحدّث النتائج تلقائياً عند تغيّر القيم. وكانت تنجز في ثوانٍ حسابات تستغرق من الطالب وقتاً أطول بكثير إذا أجراها يدوياً.

قد تظن أن امتلاك آلة حاسبة بهذه القوة جعل الرياضيات سهلة.

لم يحدث ذلك.

ظلّت امتحانات كثيرة بالغة الصعوبة بالنسبة إليّ. وظللت أعاني لفهم بعض الأسئلة، بل رسبت في مقررين.

طالب يراجع ملاحظات هندسية مستخدماً آلة حاسبة بيانية وقلماً رصاصياً على مكتب قديم
امتلاك الأداة لم يُلغِ الجزء الصعب: فهم السؤال.

الحساب ليس فهماً

كانت الآلة قوية، لكنها لم تستطع تحديد ما يطلبه الأستاذ. ولم تستطع إخباري بالصيغة التي ينبغي استخدامها ما لم أفهم المسألة أولاً.

لم تكن قادرة على اكتشاف كل خطأ أرتكبه عند إدخال المعلومات. وقد تعطيني إجابة صحيحة من الناحية الحسابية عن سؤال خاطئ، وإذا لم أفهم المادة فقد لا ألاحظ ذلك أصلاً.

كانت الأداة تحسب، لكنها لم تكن تفهم الموقف نيابةً عني.

وهذه بالضبط هي الطريقة التي ينبغي أن نفكر بها في الذكاء الاصطناعي.

يخشى الناس أن يجعل الذكاء الاصطناعي تعليمهم أو خبرتهم أو إبداعهم أو مهاراتهم المهنية بلا قيمة فجأة. لكن الوصول إلى أداة قوية لم يجعل أحداً كفؤاً بصورة تلقائية يوماً.

امتلاك Photoshop لا يجعل المرء مصمماً.

وامتلاك كاميرا احترافية لا يجعله مصوراً.

والوصول إلى Google لا يجعله باحثاً.

وامتلاك آلة حاسبة لا يجعله عالم رياضيات.

كذلك لا يجعل الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المرء ذكياً أو مبدعاً أو صاحب تفكير استراتيجي أو ماهراً بصورة تلقائية.

العمل وراء الإجابة

يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد النصوص، وتحليل المعلومات، وكتابة الشيفرة، وتلخيص المستندات، وإنشاء الصور، واقتراح الحلول. لكنه قد يسيء فهم الطلب، ويختلق معلومات، ويغفل سياقاً مهماً، ويكرر التحيّزات، أو يقدم بثقة نتيجة خاطئة تماماً.

ما زالت جودة النتيجة تعتمد بدرجة كبيرة على الشخص الذي يستخدمه.

تحتاج إلى معرفة كيفية وصف المشكلة بوضوح. وتحتاج إلى معرفة كافية لطرح الأسئلة الصحيحة، وإلى فضول لاستكشاف احتمالات مختلفة.

وتحتاج إلى خبرة لتمييز الإجابة غير الواقعية. والأهم أنك تحتاج إلى حُسن التقدير لتقرر ما ينبغي استخدامه فعلاً.

يد تستخدم قلماً أحمر لتصحيح نتيجة على ورق بياني بجانب آلة حاسبة وحاسوب محمول
المهارة المفيدة ليست قبول الإجابة، بل معرفة متى ينبغي مساءلتها.
هنا تبقى قيمتك.

حُسن التقدير يصنع الفرق

لا تقتصر قيمتك على قدرتك على إنجاز مهمة يدوياً. فقيمتك تكمن في فهم سبب أهمية المهمة، وكيف ينبغي تناولها، وما الذي قد يسوء، وكيف تبدو النتيجة الجيدة.

يمكن لشخصين استخدام نظام الذكاء الاصطناعي نفسه والحصول على نتائج مختلفة تماماً.

يقبل أحدهما الإجابة الأولى دون مساءلة. أما الآخر فيراجعها، ويحسّن التعليمات، ويختبر حدودها، ويتحقق من المعلومات، ويحوّل الناتج الأولي إلى شيء ذي معنى.

الفرق ليس في الذكاء الاصطناعي.الفرق في الشخص الذي يستخدمه.

الوظيفة أكثر من قائمة مهام

من المرجح أن يؤتمت الذكاء الاصطناعي أجزاء من وظائف كثيرة. وستصبح بعض المهام المتكررة أسرع أو أقل كلفة أو غير ضرورية. والادعاء بعكس ذلك لن يكون صادقاً.

لكن الوظائف نادراً ما تكون مجرد مجموعة مهام منفصلة. فهي تشمل أيضاً التواصل، والمسؤولية، واتخاذ القرارات، والعلاقات، والإبداع، والسياق، والأخلاق، والمساءلة.

قد يقدم الذكاء الاصطناعي توصية، لكن إنساناً يظل مسؤولاً عن عواقبها.

وقد يولّد احتمالات، لكن إنساناً يجب أن يقرر أيّها يناسب الواقع.

وقد يحاكي أنماط الماضي، لكن على الناس أن يحددوا كيف ينبغي أن يبدو المستقبل.

شخص يكتب في دفتر على مكتب مساءً، وبجانبه آلة حاسبة وحاسوب محمول مغلق
يمكن للتكنولوجيا أن تساعد. لكن الإنسان يظل من يحدد وجهة العمل.

احتفظ بقدرتك على التفكير

لذلك لا تهدر طاقتك في محاولة منافسة الذكاء الاصطناعي بإنجاز كل شيء يدوياً. تعلّم كيف تعمل معه. استكشف قدراته، واكتشف مواضع إخفاقه، وافهم كيف يتصرف مع التعليمات المختلفة.

استخدمه للتخلص من العمل المتكرر، كي تخصص وقتاً أطول للتفكير والإبداع واتخاذ القرارات وحل المشكلات التي تحتاج إليك فعلاً.

مهاراتك الحالية لا تفقد قيمتها، بل تصبح الأساس الذي يتيح لك استخدام الذكاء الاصطناعي على نحو سليم.

كلما ازداد فهمك لمهنتك، أحسنت توجيه التكنولوجيا. وكلما اتسعت خبرتك، أسرعت في اكتشاف الكلام الفارغ. وكلما تحسن تقديرك للأمور، أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة بين يديك.

لن يكون المستقبل للذكاء الاصطناعي وحده.

بل سيكون لمن يفهمون مجالهم، ويعرفون كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ويدركون حدوده، ويرفضون التخلي عن قدرتهم على التفكير.

فكرة أخيرة

واصل التفكير.

اقرأ التالي اهدأ. الذكاء الاصطناعي نعمة.